Back to Musical News

 

ملتقى مساحات شرقية أفق آخر لقراءة الموسيقى الشرقية وتذوّقها

ملتقى مساحات شرقية أفق آخر لقراءة الموسيقى الشرقية وتذوّقها

دمشق ..
لم يَبُح ملتقى مساحات شرقية بكل أسراره بعد لكن الملامح بدأت تتضح ، وأخذت الرؤية المعاصرة للموسيقى الشرقية تكتمل بعد أن قدّم نخبة من المؤلفين السوريين والشرقيين من عدة أجيال تجاربهم مع افتتاح الملتقى وفق قراءات متعددة صاغت بمجملها موسيقى كلاسيكية للقرن الحادي والعشرين عبر الحفاظ على الأصل وتقديم التراث بأفضل شكل.
و يشير الانطباع الأولي إلى عمق في الطرح وطموح لدى المؤلف السوري على وجه الخصوص لتحقيق تقدم وإحداث الفارق اعتماداً على جهود استثنائية في العمل ومستوى أداء عالي . 
وشهد الافتتاح مقطوعات متنوعة عزفتها اوركسترا الحجرة السورية بقيادة ميساك باغبوداريان ،فقدم التركي فيصل ساي ( طريق الحرير ) المستوحاة من فولكلور حضارات التيبت والهند وبلاد ما بين النهرين والأناضول ، فيما تمايزت أعمال المؤلفين السوريين زيد جبري وحسان طه وشفيع بدر الدين إلى جانب الموسيقي الكبير نوري اسكندر.
وكان ختام الحفل مع قائد الأوركسترا الإيراني "نادر مشايخي" والمغني "سالار اغيلي" الذي جاء أداؤه جذاباً بمشاركة زوجته "حرير" التي صاحبته على آلة الدف.
وتقول ندى عثمان رئيسة قسم الثقافة والتراث بالأمانة السورية للتنمية المنظمة للملتقى أن المنظمين مدركون تماماً أن الموسيقى المعاصرة التي قدمت في الافتتاح ليست موسيقى شعبية، وتضيف أنه من المفترض تقديم خيارات جديدة ليسمعها الناس، وأن من أولويات الملتقى الاشتغال مع الجمهور وبناء ذائقته من خلال ما يتيحه الملتقى للجمهور من استماع لتجارب متنوعة يأتي من بينها التراث المحبب بالنسبة لهم.
حسان طه الذي قدم في الافتتاح ( مقام فونيّة ) قال لـ شام برس أن عمله عبارة عن موسيقى شرقية معاصرة تعتمد على الجذور واستخدام تقنيات حديثة معروفة على مستوى العالم ككل ، وأضاف:" أقدم الموروث بأدوات معاصرة ، وهي تجربة جديدة في سوريا والوطن العربي وربما العالم ، فالأوربيون اعتادوا النظر إلى أعمالنا الموسيقية وفق صورة نمطية لذا نحاول أن نكون نداً في هذا المجال ". وتابع :" ربما كان ما أقدمه خالياً من عناصر الجذب التي اقتصرت على وجود الناي والإيقاع لكني أحاول أن أجعل المستمع يرى التراث من منظور مختلف ، وهذه الموسيقى لم يعتد الجمهور على سماعها فهي ليست مجرد لحن وإنما عبارة عن ألوان ". 
ولِحسان طه تجربة في تأليف الموسيقى التصويرية ، وهو أحد أعضاء الفرقة السيمفونية الوطنية السورية وأستاذ مادة التوزيع الاوركسترالي في المعهد العالي للموسيقى بدمشق.
أما الموسيقى السوري الآخر شفيع بدر الدين فقد رأى أن هذه التجربة تحظى باهتمام متزايد ، وعنها قال :" هذه ليست أغنية أو طرب أو سماعي ، وإنما موسيقى تحمل عمق فكري نسمعها بالعقل والأذن معاً ، فيها عناصر الموسيقى الشرقية ومنها المقام لكنها تخرج عن المألوف ".  وأضاف :" الموسيقى تحمل حالات متعددة بعيداً عن الحزن والفرح ، وإلى جانب المتعة التي تحققها فإن الموسيقى أيضاً مكون ثقافي ويمكن أن نقدم فكرة من خلال الصوت ، ولذلك أبعاده ، و الألحان التي نسمعها اليوم كتبت في فترة صعبة علينا أثناء العدوان على غزة ، فكل من شاهد صور قتل الأطفال تأثر لذلك ، وهذا الأمر انعكس على موسيقانا المعدة حديثاً ".
 وبالعودة إلى البدايات قال بدر الدين :"عندما قمنا بإعداد أعمال جديدة في حفل خماسي احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية كنا خائفين من أن تكون هذه الأعمال بعيدة عن الناس لكننا تفاجأنا من ردة فعل الجمهور الإيجابية علماً أن أداء العازفين كان جيداً وبحِرفية عالية ، والآن يوفر الملتقى فرصة لعرض هذه الأعمال والنقاش حولها وتبادل وجهات النظر ونحن سنقدم رؤيتنا ونشرح كيف كتبت هذه الموسيقى".  
ويذكر هنا أن شفيع بدر الدين مدرّس في المعهد العالي للموسيقى بدمشق ، وسبق أن عزف في فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وتركيا وسوريا ودول عربية أخرى.
من جانبه اعتبر الإيراني نادر مشايخي مؤسس وقائد أوركسترا طهران السيمفونية أن الملتقى يعرض أعمال جيدة ، مضيفاً أنه أصبح هناك موسيقى إيرانية معاصرة بإدخال ألحان غربية يتم دمجها بطريقة معينة ، وفي الوقت ذاته أكد مشايخي ضرورة الحفاظ على جوهر التراث .
 ويواصل الملتقى الدولي الأول للموسيقى الشرقية فعالياته بمحاضرات وحفلات موسيقية و ورشات عمل تضم موسيقيين ومحاضرين سوريين وعالميين. وتجمع الحفلات عازفين ومغنين من العراق وإيران والهند وفرنسا بالإضافة إلى سوريا.
وفي هذا السياق يرى قسم "ثقافة وتراث" لدى الأمانة السورية للتنمية أنه أصبح من الضرورة الاستفادة من الفرص الهائلة التي أتاحتها الثورة التقنية من أجل تطوير مناهج وطرائق إبداعية لتوثيق الإرث الثقافي بشكل يجعله في متناول المختصين والجمهور العام على السواء.
وخلال المائة سنةٍ الماضية، قام موسيقيون وباحثون موسيقيون سوريون مثل ميخائيل الله وردي وعلي الدرويش وصلحي الوادي ونوري اسكندر بدراسة واكتشاف عناصر أساسية في الموسيقى الشرقية القديمة والحديثة، وقد قاموا باستخدام هذه العناصر بطريقتهم ضمن الرؤية الخاصة بكل واحد منهم ما فتح المجال لجماليات وسلالم وكومات وأرباع أصوات جديدة، وذلك دون المساس بجوهر وشكل التراث الموسيقي الشرقي.